الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

137

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإهلاك بيانا بالنسبة إلى آل فرعون بأنّه إهلاك الغرق . وتنوين كُلٌّ للتعويض عن المضاف إليه ، أي : وكل المذكورين ، أي آل فرعون والذين من قبلهم . [ 55 - 57 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 57 ] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) استئناف ابتدائي انتقل به من الكلام على عموم المشركين إلى ذكر كفّار آخرين هم الذين بيّنهم بقوله : الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ الآية . وهؤلاء عاهدوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهم على كفرهم ، ثم نقضوا عهدهم ، وهم مستمرّون على الكفر ، وإنّما وصفهم ب شَرَّ الدَّوَابِّ لأنّ دعوة الإسلام أظهر من دعوة الأديان السابقة ، ومعجزة الرسول صلى اللّه عليه وسلم أسطع ، ولأنّ الدلالة على أحقّية الإسلام دلالة عقلية بيّنة ، فمن يجحده فهو أشبه بما لا عقل له ، وقد اندرج الفريقان من الكفّار في جنس شَرَّ الدَّوَابِّ . وتقدّم آنفا الكلام على نظير قوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ [ الأنفال : 22 ] الآية . وتعريف المسند بالموصولية للإيماء إلى وجه بناء الخبر عنهم بأنّهم شرّ الدوابّ . والفاء في فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ عطفت صلة على صلة ، فأفادت أنّ الجملة الثانية من الصلة ، وأنّها تمام الصلة المقصودة للإيماء ، أي : الذين كفروا من قبل الإسلام فاستمر كفرهم فهم لا يؤمنون بعد سماع دعوة الإسلام . ولمّا كان هذا الوصف هو الّذي جعلهم شرّ الدوابّ عند اللّه عطف هنا بالفاء للإشارة إلى أنّ سبب إجراء ذلك الحكم عليهم هو مجموع الوصفين ، وأتى بصلة فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ جملة اسمية ؛ لإفادة ثبوت عدم إيمانهم وأنّهم غير مرجو منهم الإيمان . فإنّ تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي المنفي مع عدم إيلاء المسند إليه حرف النفي ، لقصد إفادة تقوية نفي الإيمان عنهم ، أي الذين ينتفي الإيمان منهم في المستقبل انتفاء قويا فهم بعداء عنه أشدّ الابتعاد . وليس التقديم هنا مفيدا للتخصيص ؛ لأنّ التخصيص لا أثر له في الصلة ، ولأنّ